أحمد بن علي القلقشندي

87

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

حين تمالى بك المشركون ، وتمثّل لرسلهم بقوله سبحانه : * ( اخْسَؤُا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ ) * ( 1 ) وأنفت عزّته هجنة ( 2 ) الهدنة . وقال لأوليائه : * ( وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) * * ( 3 ) وازدرى بخنازيرهم انتظارا لوصولك بأسود الإسلام ، وصبر على أنّك تلبّي نداءه بألسنة الأعلام قبل ألسنة الأقلام ؛ فكنت حيث رجا وأفضل ، ووجدت بحيث رعى وأعجل ، وقدمت فكتب اللَّه لك العلوّ ، وكبت بك العدوّ ، وجمع على التوفيق لك طرفي الرّواح والغدّو ، ولم يلبس الكافر بسهامك جنّة ( 4 ) إلا الفرار ، وكان * ( كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) * ( 5 ) فللَّه درّك حين قاتلت بخبرك ، قبل عسكرك ، ونصرت بأثيرك ، قبل عشيرك ؛ وأكرم بك من قادم خطواته مبرورة ، وسطواته للأعداء مبيرة ( 6 ) ، وكلّ يوم من أيامه يعدّ سيرة ؛ وإنك لمبعوث إلى بلاد أمير المؤمنين بعث السّحاب المسخّر ، ومقدّم في النّية وإن كنت في الزمان المؤخّر ، وطالع بفئة الإسلام غير بعيد أن يفيء اللَّه عليها بلاد الكفّار ، ورجال جهاد عددناهم عندنا من المصطفين الأخيار ، وأبناء جلاد يشترون الجنة بعزائم كالنار ، وغرر نصر سكون العدّو بعدها غرور ونومه غرار ( 7 ) . ولما جرى من جرى ذكره على عادته في إيحاشك والإيحاش منك بكواذب الظَّنون ، ورام رجعتك عن الحضرة وقد قرّت بك الدار وقرّت بك العيون ؛ وكان كما قال اللَّه تعالى في كتابه المكنون : * ( لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وظَهَرَ أَمْرُ الله وهُمْ كارِهُونَ ) * ( 8 ) هنالك غضبت ( 9 ) نفوس الإسلام

--> ( 1 ) المؤمنون / 108 . ( 2 ) الهجنة : العيب . ( 3 ) البقرة / 193 . ( 4 ) الجنّة ، بضم الجيم كل ما وقى وستر من سلاح وغيره . ( 5 ) إبراهيم / 26 . ( 6 ) مبيرة : مهلكة . ( 7 ) الغرار : القليل من النوم وغيره . يقال : ما ذقت النوم إلا غرارا ، وما لبثت عنده إلا غرارا . ( 8 ) التوبة / 48 . ( 9 ) كذا بالأصل ، والمراد واضح . وقد استبدلها محقق الطبعة الأميرية بلفظ « عصبت » بإهمال العين والصاد وقال : لعل مراده : عصبت ، من عصبت الإبل إذا اجتمعت .